اقلام الغد
العودة
قاعدة الاعلام الذهبية !"الجمهور عاوز كده"...
نور جعجع - سنة رابعة ماستر
2014-05-22

عرفت الصحافة بمختلف وسائلها منذ بداياتها وحتى يومنا هذا تحولاً كبيراً إذ أصبحت التكنولوجيا وتحديثاتها ضيفاً دائماً وربما "ثقيلاً" على الوسائل الاعلامية . فلم يعد أمام الأخيرة إلّا خيار اللحاق "لاهثةً" وراء كل ما تطرحه "الثورة العصرية"، ملزمةً إياها تبني أساليب جديدة إن في الشكل أو المضمون، وإلا تَحتَم عليها "الانقراض" في زمن أطلق عليه لقب "العصر الرقمي" بامتياز.

لا يشكك أيٌ من الباحثين والاختصاصيين في مجال وسائل الاعلام وتطورها إذن، بالعلاقة الكامنة بين وسائل الاعلام والتكنولوجيا، بحيث وجدت نظرة جديدة للإعلام الحالي اختلفت كثيراً عن ماهيته سابقاً، حيث كان مقتصراً ربما على بعض الوسائل البسيطة والتي كانت "تعاني" كثيرا في إمكانية الوصول إلى أي كان، وتخطي الحدود بطريقة "مذهلة" كما يحصل في يومنا هذا ما وضع العمل الاعلامي أمام التحدّي الأبرز: الجاذبية والإثارة!

وهنا نطرح الإشكالية: "في ظل كل ما يدور في الفلك الاعلامي من تسابق وسرعة وتنافس على "إغراء" الجمهور، هل بتنا نتحدث عن شبه غياب للرسالة التي اضطلع بها الاعلام دائما إرضاءً لرغبات هذا الجمهور؟ وهل تلجأ وسائل الاعلام إلى نص إعلامي "على ذوق ومزاج" المتلقي الذي يقرر كمستهلك ما يريد أن تقدمه له حتى يبقى "راضيا" عنها وإلا خسرته "زبوناً"؟ وما المعايير المتبعة عند كتابة النص الاعلامي للتوجه به إلى الجماهير؟

يشدد الأخصائيون في الإعلام وأصحاب "المهنة – الرسالة" على أن معالجة المواضيع الجادة التي تفيد أوسع شريحة من الناس يجب أن تكون في صلب أولويات العمل الاعلامي "الصحيح"، إذ على الاعلام الاضطلاع بمسؤولية أساسية تقع على عاتقه: خدمة الرأي العام والعمل على تثقيف المجتمع والارتقاء بأفراده.

إذن "تكوين وعي جماعي سليم ومستنير بالحقيقة (ولا شيء سواها)، تبنى على أساسه اتّجاهات الرأي والمواقف" من المفترض أن تكون القاعدة الذهبية لأي صحافي يؤمن أن مهنته قادرة على صناعة الفرق!

ولكن ما يمكن رصده في الاعلام اللبناني وبشكل لا يحتمل التشكيك، ان القاعدة الاعلامية المنشودة مزعزعة، تصدأ شيئا فشيئا لتصبح الاستثناء؛ حاد الأخير عن هدفه الأسمى لتصبح من أولوياته المقولة التي شاعت في مصر في السبعينيات عن المسرح:"الجمهور عايز كده"، هذا الجمهور الذي يملي على الاعلام - بطريقة أو بأخرى – ما يرغب وما يجب أن يقدمه له.

وبالعكس، قد تستخدم وسائل الاعلام هذه المقولة لتمرير "السم في الدسم" مُحاولةً فرض نمط ثقافي أو فكري أرادته لدى الجماهير، ما ينفي أن الجمهور اللبناني "سخيف" أو ينجذب إلى ما هو هابط، بل هو ببساطة "ضحية" لإعلام اختار الهبوط نهجاً له، وغزت وسائله المواد التي لا تضيف إلى ثقافة المشاهد أو مستواه الفكري قيد أنملة من الرقي، بذريعة أن هذا النوع من الاعلام وعلى الطريقة اللبنانية " بَيّيع" !

وما يثير الضحك والبكاء معاً على حال آل إليه الوضع الاعلامي اللبناني خصوصاً، هو انعدام "الابداع" وغياب "الفكرة الخاصة" إذ أصبحنا نستورد في قوالب معلبة ما أمنَّ الغرب علينا به من مضامين برامجنا ومسلسلاتنا وربما أفكار مقالاتنا!

فلجأ العديد من القنوات التلفزيونية إلى تقديم "نسخ عربية بالجملة" لما ابتكره الغرب وصدَره إلينا، لتضيع المضامين الثقافية العائدة إلينا حتى بتنا نعاني أزمة هوية!

وبالانتقال إلى إعلام يتحف جمهوره بتحاليل يدسّها في مقدمات نشرات أخباره أو افتتاحيّات صحفه، فمعظم المؤسسات الاعلامية - ان لم نقل جميعها - تحاول زجّ المتلقي في قفص مفاهيمها، بحيث غدا من الطبيعي، أن تصبح هذه المؤسسات أبواقا على أفواه مموّليها وورقة رابحة في يد هذا الفريق أو ذاك، عوضا عن أن تكون ناقلاً صادقاً للحقائق ومصوراً أميناً للأحداث والوقائع: يصبح تمرير ايديولوجيّات مختلفة، هدفا تتصارع فيما بينها لتحقيقه، في أشبه حرب باردة يكون اللبناني وحده ضحيّتها.

بالنظر إلى كل ذلك، يبدو واضحا أن مضامين الاعلام عرضة للأجندة السياسية المرسومة والتي لا يأبه الاعلام بشيء سوى تنفيذها لتعزيز غرائز الجمهور واصطفافاته أكثر فأكثر، والكارثي في ما يتعرض له إعلامنا اليوم هو انه ولد من رحم الدين أو الثورة او سلطة المال والسياسيين والأثرياء...

وعن احتلال السياسة وأهلها وأخبارهم لصفحات الجرائد وأثير الاذاعات وشاشات المحطات، فحدّث ولا حرج. ففي حين يولي الاعلام الغربي اهتماما خاصا بالقضايا الوطنية والاجتماعية والثقافية التي تهمّ الناس، ينهال علينا وابل التصريحات والمؤتمرات، يغرق المواطن في دوّامة اعلام بنى نفسه على السياسة وشؤونها، التي تتخذ أكثر من ثمانين في المئة من مجمل ما يعرضه، متجاهلا أهم القضايا وأخطرها على الاصعدة الثقافية، الاجتماعية والفكرية.

وبالإنتقال من النصوص إلى الصورة لا يخفى على أحد أن إعلامنا العربي أصبح رائداً في مجال "العروض الأكثر دمويةً" خصوصا مع ما يعيشه العالم العربي من نزاعات وتفجيرات، وإذ تتسابق وسائل الإعلام على عرض صور الأشلاء أصبح "شغلها الشاغل" جذب المشاهد إلى تلك الصور تحت ذريعة أن قساوتها "تثير" الجمهور وتحرك في داخله تلك النقمة على العنف.

كل ذلك يعكس لنا عدم إحترام الأخلاقيات الإعلامية وخرق واضح و "على عينك يا تاجر" لكل ما يجب احترامه من قواعد ومعايير تجسد القيم والكرامة الإنسانية. 

سأسمح لنفسي أن أختم بالعبارة الشهيرة لجوزف غوبلز، وزير الاعلام النازي في زمن هتلر، عندما قال معولاً على سلطة الاعلام إبان الحكم النازي: "أعطني إعلاماً بلا ضمير أعطِك شعباً بلا وعي".... إذا استمر اعلامنا بالتخلي عن الضمير والارتهان... فبأي مجتمعات سنحلم

لا يهارنّن أحدٌ على "وعينا" ... فنحن في غيبوبة!

 

 

مجلة النقابة
قراءة المزيد
قانون الاعلام
قراءة المزيد
روابط مفيدة