شهداء الكلمة
العودة
شهداء الصحافة اللبنانية في مئة عام

 

منذ الانتداب العثماني، مروراً بالاستقلال. سقطوا الواحد تلو الآخر،

السادس من أيار العام 1916 كان محطة لا تنسى, علق جمال باشا السفاح المشانق لعدد من اللبنانيين، بينهم بعض الصحافيين. كان ذلك في ساحة الاتحاد في وسط بيروت، التي اصبحت ساحة البرج، قبل أن تستعيد اسمها ساحة الشهداء.

في هذه الساحة شنق أول شهداء الصحافة، وفق ما نقله ميشال زكور عن شاهد عيان هو أحمد ناصر ونشره في جريدة "البرق" في شباط 1919.

من الشهداء الذين شنقوا في تلك الساحة، الاخوان محمد ومحمود المحمصاني، وعبد الكريم الخليل، وعبد القادر الخرسا، ونور الدين القاضي. وفي 6 ايار من العام 1916 أعدم 11 صحافياً هم: الشيخ أحمد حسن طبارة (صاحب جريدتي "الاصلاح" و"الاتحاد العثماني")، سعيد فاضل عقل (صاحب جريدة "البيرق" في بعبدا، ورئيس تحرير عدد من الصحف أهمها "النصير" و"الاصلاح" ولسان الحال")، عمر حمد (شاعر شعبي ومحرر صحافي جريء كتب في جريدتي "المفيد" و"الاصلاح")، عبد الغني العريسي (صاحب "المفيد" و"فتى العرب" و"لسان العرب")، الامير عارف الشهاب (المحرر السياسي البارز في جريدة "المفيد"البيروتية)، باترو باولي (مدير جريدة "الوطن" ورئيس تحرير جريدة "المراقب" البيروتية")، الصحافي الشهير جورجي حداد (كتب في جريدة "المقتبس" في دمشق، وجريدتي "لبنان" و"الرقيب" في بيروت).

لم يتوقف جمال باشا السفاح عن سياسة الاعدام فنفذ أحكاماً بحق الشهيدين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة "الأرز".

ظل الصحافيون مستهدفين بعمليات الاغتيال، وأبرزهم نسيب المتني الذي كان معارضاً للتمديد للرئيس الراحل كميل شمعون وجاهره بمعارضته ووصف التمديد بالجريمة. وليل السابع من ايار 1958، أثناء "ثورة 1958"، اخترقت جسد المتني رصاصات مجهولة المصدر وغيّبته، فغابت صحف لبنان ثلاثة أيام حداداً على شهيدها. ﻓﻲ 19 ﺃﻴﻠﻭل ﺍﻟﻌﺎﻡ 1958 ﺍﺨﺘﻁﻑ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﻲ ﻓﺅﺍﺩ ﺤﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﻠﻘﺏ ﺒـ"ﺍﺒﻭ ﺍﻟﺤﻥ" أثناء خروجه من وزارة التربية (كان رئيس الدائرة الفنية لوزارة التربية)، وهو الذي كان يكتب عموداً في الصفحة الاولى في جريدة "العمل"، وكان قلمه ساخراً لاذعاً، فاختطف وقتل لأجل ذلك على ايدي مجهولين. وﻜﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﻭﺍﻷﺭﺒﻌﻴﻥ ﻤﻥ ﻋﻤﺭﻩ.

بعد نحو ثماني سنوات، ارتوت "دار الحياة" بدماء الصحافي كامل مروة، الذي عمل في صحف عدة أبرزها "النهار"، قبل أن يطلق جريدة "الحياة". برز كأحد ألمع الصحافيين في مدرسة مؤسس "النهار" الراحل جبران تويني، وصادق ملوكاً ورؤساء عرباً، واختلف في الرأي مع آخرين، الى أن وجد مضرجاً بدمائه في 16 أيار 1966 خلف مكتبه في "الحياة".

عشر سنوات بالتمام والكمال على اغتيال مروة، 16 ايار 1976 كانت الشهادة تنتظر صحافياً مميزاً: ادوار صعب الذي تربع على عرش الصحافة اللبنانية الناطقة باللغة الفرنسية. تربع ايضاً على عرش الشهادة. وقبل استشهاده قال كلماته الاخيرة لزوجته نهى شلحط: "ان لبنان سيحتجب فترة. ومنذ اليوم وحتى عشرين عاماً، سوف يفقد لبنان سيادته وحرية قراره. لكن بعدها سينهض كبيراً من كبوته منتصراً على الاعاصير كلها". لم ينهض لبنان من كبوته في الوقت الذي كبا فيه ادوار صعب، ولن ينهض.

استمر مسلسل اغتيال الصحافيين اثناء الحرب، وفي الرابع من آذار 1980، وُجدت جثة الصحافي سليم اللوزي في أحراج بلدة عرمون، بعد ثمانية ايام على اعتراض مسلحين سيارته على طريق المطار وكان برفقة زوجته وشقيقتها وسائقه ومرافقه. لكن طريقة قتل اللوزي كانت غاية في البشاعة، فبعد اطلاق النار على رأسه، أحرقت يده بالأسيد. اللوزي الذي بدأ حياته الصحافية في مصر، وتحديداً من مجلة "روز اليوسف"، ومن ثم اشترى امتياز "الحوادث"، واشتهر بلسانه السليط وقلمه اللاذع وتوقه الى الحرية.

لم يعش نقيب الصحافة رياض طه حتى ذكرى 6 أيار، وهو الذي كرّس ذلك اليوم عيداً لشهداء الصحافة، فسقط شهيداً في 23 تموز 1980، بعدما اخترقت جسده 6 رصاصات من النوع المتفجر كانت كافية لوضع حد لحياة النقيب بعد 13 عاماً على انتخابه، وبالاجماع، نقيباً للصحافة.

6 سنوات تمر على اغتيال طه، ويسقط صحافي شهيد آخر هو رئيس تحرير "النداء"، والمدير العام المسؤول في مجلة "الطريق" وأحد الوجوه البارزة في "الحركة الوطنية" اللبنانية والحزب الشيوعي اللبناني.

سهيل طويلة شهيد آخر تغتاله رصاصات مجهولة في 24 شباط 1986. أنجز الحزب الشيوعي تحضيراته لاحياء الذكرى الاولى لاستشهاد طويلة، ومن كان أفضل من صحافي الحزب حسين مروة ليكون خطيب الاحتفال، وهو الذي رثى رفيقه بعد ايام على اغتياله وقال: "شهيداً شيوعياً صحافياً مات سهيل طويلة. موت الشهيد الشيوعي موت آخر. هو التقمص من نوع آخر، انه يتقمص الحياة الاوسع والاعمق حياة كل الطيبين...". كانت لمروة كلمات أخرى سيقولها في الذكرى السنوية لطويلة، لكن رصاصات أطلقها ثلاثة مجهولين على "الشيخ" في مهده كانت كفيلة بوضع حد لحياة من "ولد شيخاً ومات طفلاً" في 24 شباط 1987.

بعد الطائف، لم تتوقف الاغتيالات التي طالت 8 صحافيين لبنانيين من وسائل اعلامية مختلفة.

ففي 15 كانون الثاني 1992 اغتال مسلحان الكاتب والباحث مصطفى جحا بإطلاق النار عليه في سيارته قرب منزله في السبتية. وكان جحا أوصل ابنه صباحاً إلى "كلية الشرق الأوسط" وعاد في اتجاه منزله. على الطريق اعترضته سيارة مجهولة الرقم والنوع فيها ثلاثة مسلحين، ترجل منهم اثنان وتقدما نحو سيارته حيث كان وراء المقود وأطلقاً عليه وابلاً من رصاص مسدسين مزودين كاتمين للصوت. عند اندلاع الحرب العام 1975 كان الكاتب المؤيد لحزب الكتائب آنذاك هرب من المنظمات الفلسطينية في منطقته صور إلى الدامور أيضاً، ومنها إلى ما كان يعرف آنذاك بـ"الشرقية".

وفي العام 1993، شنّت إسرائيل عملية جوية عرفت بعملية "تصفية الحساب" ضدّ المقاومة في الجنوب اللبناني، فكان من ابرز شهدائها مراسل قناة "المنار" أحمد حيدر.

... وفي صيف العام 2005، وتحديداً في الثاني من حزيران، اغتيل محرّك "انتفاضة الاستقلال 2005" ومطلق هذا الشعار الزميل في "النهار" سمير قصير في انفجار داخل سيارته في منطقة الأشرفية، فأصبح قصير شهيد هذا الشعار وشهيد "ربيع بيروت" الذي نادى به وانتظره طويلاً قبل ان تفجّره يد الغدر.

حزن "النهار" لم يتوقف هنا، وكأن قدرها أن تقدّم الشهداء على مذبحة الحرية والسيادة والاستقلال. فصباح 12 كانون الأول 2005، فجّر الحقد الاعمى والارهاب فارس "النهار" جبران تويني بتفجير سيارته في المنطقة الصناعية في المكلّس، فقتل على الفور مع إثنين من مرافقيه اندريه مراد ونقولا الفلوطي فتحوّلت أجسادهم أشلاء. لم يعد رئيس مجلس ادارة "النهار" المدير العام النائب جبران تويني "مشروع شهيد" كما كان يشعر دائماً، بل أصبح شهيد لبنان العظيم الذي دافع عنه حتى الشهادة.

اما في 22 تموز 2006، أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان، فاستشهد سليمان الشدياق مدير محطة إرسال تابعة للمؤسسة اللبنانية للإرسال في منطقة فتقا أثناء القصف الاسرائيلي على الهوائيات. وبعده بيوم واحد، أي في 23 تموز استشهدت المصورة الشابة ليال نجيب (23 عاماً) التي قتلها القصف الإسرائيلي اثناء توجّهها إلى بلدة قانا. وكانت نجيب تعمل في مجلة "الجرس" وتتعاون مع "وكالة الصحافة الفرنسية".

لكن انتهاء عدوان تموز، لم يضع حداً للانتهاكات الإسرائيلية، فاستشهد مراسل جريدة "الأخبار" عساف بو رحال بعدما استهدفه الرصاص الإسرائيلي خلال متابعته للإعتداء الاسرائيلي على منطقة العديسة في 3 آب العام 2010 واشتباك القوات الاسرائيلية مع الجيش اللبناني.

آخر قافلة الشهداء، كانت من الشمال، وتحديداً من منطقة وادي خالد، اذ انهال وابل من الرصاص على فريق عمل قناة "الجديد" في 9 نيسان 2012، أثناء تغطيتهم أحوال المنطقة الحدودية بعد اشتباكات شهدتها بين الجيش السوري والمعارضة السورية، فاستشهد على الفور المصوّر علي شعبان.

 

مقررات
نقابة الصحافة اللبنانية   بيروت في 29 آب...
قانون الاعلام
قراءة المزيد
روابط مفيدة