شهداء الكلمة
العودة
ذكرى رياض طه نقيب شهداء الحريَّة

في مثل هذا اليوم، من كلّ عام،  نحتفل بذكرى استشهاد التقيب العزيز رياض طه في نقابة الصحافة، ولكننا هذه السنة، نأتي للإحتفال بذكراه العشرين  في الأرض التي أنبتَتْه واحتضنته، بين أهله وقومه ومحبّيه.

 

إن الذين استشهدوا من حَمَلة الأقلام كثيرون كثيرون. قافلة منهم ذهبت في سبيل الإستقلال ممّن زادوا بأنفسهم عن الكيان والسيادة الوطنية، فأعطوا للشهادة عيدًا وطنيًا، نحتفل به في السادس من أيار، وصار سعيد عقل ورفاقه: طباره والخليل والعريسي والخازن وزريق وسواهم رمزًا لتقويض المشانق والإنتصار على الاحتلال العسكري والأحكام العِرفيَّة. بعدهم توالت مواكب الشهداء من صحافيين ضحُّوا بأنفسهم زوداً عن الحرِّيَّات الديموقراطية، من أمثال كامل مروّه ونسيب المتني، فؤاد حداد وسليم اللوزي حتَى كان استشهاد النقيب رياض طه في 23 تموز، يوم ذكرى ثورة غيَّرت مجرى التاريخ، فصار يومُ استشهاده عيداً للثورة على القَهر والإستبداد، على الظُلم والتخلّف، ويومَ انتصارٍ للحريَّة والإيمان بالذات، والإيمان بالقِيَم، والإيمان بالكرامة، والإيمان بالحق.

 

كأنّ استشهاد الصحافي هو نوع من تأدية الرسالة العَليَّة، بروحانيةٍ سامية، فيُقبل عليها بشجاعة وغبطة واعتزاز. وقامت توأمة بين الصحافة والشهلدة، كما تقوم توأمة بين الصحافة والحريَّة. وصار تاريخ الصحافة في لبنان حافلاً بالبطولات وبالقيم السياسية الوطنية، التي هي الأساس في بناء الأمم والشعوب والأوطان. وانطلقت الصحافة اللبنانية تزرع بذور الحرية والديموقراطية في المنطقة والعالم، وكان لها دور في تأسيس الصحافة العربية العالمية ، وفي صناعة صحافات العرب . فلم تترك مجالًا للطارئين والمتسولين، لتبقى وقفاً على أهل الشرف وأصحاب النفوس الكبيرة .

 

النقيب رياض طه هو من الذين أغنوا الصحافة بقَلَمه الجريء وقلبه الكبير ورأيه السياسي الشجاع. لم تأته الصحافة منّةً او هديَّة مجَّانية، بل انطلق بها من بداياتها الصعاب، فعمل محرِّراً ومراسلاً حربيَّا قبل أن ينشىء جريدةَ كِفاحه ومجلَّةَ جِهاده، وما انتظر أن يقطف ثمارها، بل وَهَب  نفسه كلّيا للنقابة وللشأن الوطني العام. عندها عرفته عن قرب فتزاملنا وترافقنا، وعملنا معا باندفاع وارتياح:

- بالمشاركة في المؤتمر الرابع لاتحاد الصحافيين العرب، في دمشق، 1974، حيث كان لوفد النقابة حضوره البارز، وزاد في أهمِّيَته  توقف الرئيس الأسد مطولا مع النقيب وأعضاء الوفد ليقول لهم ان أجمل هديّة كانت تُقدّم للمقاتلين على الجبهة، اثناء حرب تشرين المجيدة، نسخا من الصحف اللبنانية كمكافأة وتقدير، لأن سلاح المعنويات أمضى من أي سلاح.

- الى  اللِّقاء الشهري لمجلس النقابة مع رئيس الجمهورية، الرئيس فرنجيه، حيث كانت تطرح الشؤون الوطنية، السياسية والإدارية والإنمائية ، بكل صراحة وشفافية. الى التحرك الوطني الواسع عندما استشعر النقيب طه أن الأجواء تتلبّد وتنذر بخطر تدهور الأوضاع. فسارع مع الإمام موسى الصدر، ربيع 1975، الى عقد لقاءات موسَّعة في دارة الإمام في الحازمية، لتنفيس الاحتقان بمواصلة الحوار، ومنع الإنشقاق وتجنّب الاصطدام. وفي صيف تلك السنة نظَّم مع "ندوة الدراسات الإنمائية" ( للدكتور حسن صعب) أول ندوة للحوار الوطني، عالجت مسبِّبات الأزمة ووضعت لها المقترحات والحلول، فصارت الورقة الأساس لكل مؤتمر وطني، و كل مشروع تفاهم، لتتكرَّس، لاحقاً، وثيقةً للوفاق الوطني .

 

وكم التقينا في الأيام الصعبة من العام 1976، على طريق القصر الجمهوري، لمعالجة القضايا الملحّة، من موقعينا في الصحافة وفي الحكومة. وإنه لَمن دواعي الفخر والإعتزاز، للنقيب رياض طه ولنقابة الصحافة، على الدوام، اننا، حتى في أصعب الظروف التي مرّت بنا، حرصنا على وحدة النقابة واستقلاليتها وتمثيلها لكافة الفئات والإتجاهات، فكانت تجري الإنتخابات في مواعيدها، ولو اضطُّر بعض الزملاء للحضور بالطوافة، فينتخب الأخصام أخصامهم، في العقيدة والنزعات السياسية، كما  ينتخبون حلفاءَهم، لأنَّهم بذلك  انما ينتخبون حريّة الرأي واحترام الآخر.  

 

ايها النقيب الشهيد الحي،

اليوم ونحن في مواسم طرح الصوت واستجداء الأصوات، نسمع صوتك الذي كانت به ترتفع الأصوات، وبالأمس عندما أطلقت بيروت، العاصمة، اسمك على شارع في محيط النقابة، أكّدت أنك كنت الطريق الى القلوب، والساحة التي تستنهض الهمم للنهوض الى أعلى القِمَم .

      

ويا نقيب شهداء الحريّة ،

إنجازاتك الكبرى في النقابة ستظل تشهد لك، فتزداد النقابة شموخا كلما رفدتها عزائم وسقتها دماء، وتظل كتاباتك السياسية والأدبية على نضارتها وحداثتها، لما حُمِّلت، عند وضعها، من بعد نظر.

  

وتبقى عائلتك  المؤسّسة الأحب، تزهو بك وتتوهَّج بخُلقك وأدبك، فيزداد بها وجهُك الصبوح توهُّجاً، وهي قد أنشأت، على اسمك، مؤسسة ترفع المشعل  لتشع ثقافة وحرية رأي.

 

   إنّنا بك وبها لفخورون .

 

            الهرمل في  23 تموز 2000         

مقررات
نقابة الصحافة اللبنانية   بيروت في 29 آب...
قانون الاعلام
قراءة المزيد
روابط مفيدة