نشاطات النقابة
العودة
مفتاح النهضة ... في نور القرآن

بسم الله واياه نستعين

تعالوا ايها السيدات والسادة منذ البداية نتواضع .

فهذا حديث لا يطمح الى ان يرقى ليكون منهجا متكاملا لنهضة شاملة يتطلع اليها ابناء العالمين العربي والاسلامي من اقصى المشرق الى اقصى المغرب ، ومنهم ابناء لبنان. ذاك مطلب تنوء  به المجامع من اهل الفكر والرأى والنضال ولا ينهض بمثله الا الرواد من حملة الرسالات او صانعي التاريخ ..

ثم هو حديث لا يطمح ايضا الى ان يقدم عرضا يحيط باسباب تلك النهضة العظمى التي شهدها تاريخ العرب فغيرت وجه التاريخ البشري ، وكانت وراء تلك الحضارة التي ما تزال معالمها واثارها تشهد لها بالشموخ كما تشهد لها بِـيَـدٍ على الانسانية حدَّثت هي عن نفسها وما تزال تُـحدِّث قبل ان يتحدث عنها المفكرون والدارسون ومؤرخو الحضارات ، وكانت لنا وما تزال حين تتفاخر الامم مبعث الاعتزاز وسلاح المباهاة .

فهذا مطلب آخر تضيق بمثله مثل هذه الامسية وهو الذي جالت في رحابه اوسع الدراسات وضاقت في بابه الوف المجلدات.

وانما هي تأملات في حال العالمين العربي والاسلامي ، ومحاولة لتلَـمُّـسِ طريق النهضة الحق بعد ان تاهت بالعرب والمسلمين الدروب ، وضل سعيهم وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً([1]) "وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغَـي يتخذوه سبيلا"([2]).

تأملات حفز عليها الذهن ، تساؤل ضج به وجدان استاذ لنا كبير ([3]) اذ كنا خارجين مرة من احدى الندوات الفكرية : لماذا لا يزال هذا العالم العربي يتخبط رغم كل ما قام به ولا يزال يقوم من مدارس فكرية وحركات سياسية وانقلابات اثر انقلابات- لماذا  لا يزال العالم العربي في كبوته ، لا يجد سبيله الى ما يرجى له من نهوض حقيقي يليق بتراثه وبالمقام الذي يجب ان يكون له تحت الشمس؟ لماذا تتوالى عليه النكبة اثر النكبة ، فلا يستطيع ان يقيل عثاره منها لا جامعة ولا نظام ولا حزب ولا ايد يولوجية؟ لماذا فشلت كل التجارب حتى الان ؟ وما سر هذا البطء المرعب في الاستجابة لكل التحديات المصيرية التي يواجهها العالم العربي كل يوم وفي كل مكان؟

اسئلة يضج بها في الحقيقة ضمير كل مواطن صادق ومن زمان ، ولكنها تزداد الحاحا مع تعاظم التحدي واستمرار التردي ، ولعلهما قد بلغا في هذه الاونة الذروة.

واذكر اننا انتهينا في ذاك الحديث السريع الى اننا قد لا نجد تفسيرا لهذا الواقع المفجع سوى استمرار تخلف الانسان في العالم العربي من جميع الوجوه . واهم وجوه هذا التخلف ، التخلف العقلي رغم ما نلاحظ من تقلص الامية وانتشار التعليم . انه التخلف الذي يجعل الانسان العربي والمسلم عاجزا عن مواكبة حركة التاريخ والتعاون معها تعاونا ايجابيا حيا ، فيفعل فعله من حيث يعي الناس او لا يعون ، من حيث يريدون او لا يريدون. انه يشد بهم الى الوراء كلما ارادوا السير الى الامام ، ويلقي بهم الى التهلكة كلما سعوا الى الخلاص . ولا سبيل الى الخلاص الا بتحرير انساننا من آثار التخلف على تعدد الوانه ، ومن ظلمات التخلف العقلي على الخصوص .

مؤكد ،ايها السيدات والسادة ، ان لا استاذنا الكبير ولا انا ، قد اكتشفنا البارود في حديثنا السريع . فتلك حقيقة كثيرا ما المح اليها الباحثون ، وما ادراكها بمستعص على اي متأمل ، لكن الا يصح ان تكون هذه الحقيقة التي تغوص على اصل الداء وتجمله ، منطلقا لتفهم اعراض الداء كله ، ان كنا نريد لهذا الداء الدواء او نريد منه الشفاء؟

لقد التصقت صفة التخلف الراهن – واعود فاخص منه التخلف العقلي – بالعرب خاصة ، وبالمسلمين عامة ، حتى ظن البعض انه قد تجذر في النفس وفي الحياة منهم تجذرا لا تجدى معه محاولة استئصال . بل ان الظن ليذهب ببعض الناس ، وحتى ببعض الباحثين ومدعي العلم والتمحيص – الى ان التخلف مرادف للعروبة . فما من نقيصة يذكرها احدهم في حاضر العرب الا ويردفها بقوله ، وبكثير من التشدق والامتهان: "عرب .... عرب يا اخي عرب"! ناهيك بمن يجعل التخلف قرينا او نتيجة حتمية للدين ، منساقا وراء رائج القول ان الدين افيون الشعوب ، او متعمداً هذا القول تمهيدا لمذهب فلسفي سياسي ينطلق من الالحاد ، ومتخذا في كلا الحالين من التعرض للاقداس مجالا رحبا للعجب او للانتفاخ او لارواء غل في صدر ما عرف انشراحا بصدق او انفتاحا بمحبة.

وحين يدورالكلام في عالمنا العربي على الدين ، يتجه النظر فورا الى الاسلام دون غيره من الاديان ، على الرغم من ان في العرب كراما في كل مكان من ديارهم لا يدينون بالاسلام . ذلك ان هناك واقعا لا مجال لنكرانه او الفرار منه ، وهو ان ابناء العالم العربي في اكثريتهم العظمى هم من المسلمين . وهذا العالم يربطه بالعالم الاسلامي الاوسع رابط الدين ، ولبنان ، بمسلميه ومسيحييه ، وعلى فذاذة كيانه الخاص وطابعه المتميز هو بعض هذا العالم لا يمكن ان يجد لنفسه عنه انفصاما ولا له في ذلك مصلحة . فكما ان كل مسلم حيثما كان على سطح البسيطة له بحكم اسلامه الى العروبة انتساب ، كذلك كل عربي ايا كان دينه وايا كان معتقده وايا كان بلده ، له بحكم عروبته الى الاسلام انتساب . ولوقوف نصارى العرب صفا واحدا الى جانب مسلمي العرب منذ الفتح العربي الاسلامي للشام ضد امبراطورية الروم النصرانية ... حتى معارك الاستقلال ضد الاجنبي في القرن العشرين ، ثم لانصرافهم الى خدمة الفصحى يوم اغفلها المسلمون وهي لغة القرآن ، اكثر من مغزى في هذا المجال .

فاذا لم يكن للعالم العربي اذن عن الاسلام انفكاك ، ولم يكن للمسلمين عن العروبة انفكاك ، وهذه هي حال العرب اليوم وهذه هي حال المسلمين من العجز عن الخروج من هاوية التخلف ، فهل يحق لاحد ان يبلغ به التشاؤم او اليأس او التجني حد القول ان العلة كل العلة هي في طبيعة العروبة وبنية الشخصية العربية ، او حد القول ان مكمن الداء كل الداء هو في الاسلام وطبيعته كدين ؟

لقد عرف الغرب المسيحي قبل نهضته مراحل اشد تخلفا من تخلف العالم العربي اليوم . كانت اوروبا وكان العالم المسيحي غارقين في احلك الظلمات يوم كان العرب ويم كان المسلمون حاملين مشعل الحضارة ينيرون به ارجاء العالم . ومع ذلك لم يقل احد ان الهمجية طبيعة في الغرب، ولا سمح احد لنفسه ان يزعم ان التخلف العقلي صنو المسيحية . ذاك افتئات على طبيعة الانسان كانسان حيث كان من الزمان والمكان ، واتهام  للدين كدين – وللمسيحية في هذا المجال- بما ليس فيها وبما ليس فيه . بل ذاك قول بحتمية تاريخية اثبتت تهافته و بطلانه الوقائع وتطورات التاريخ .  فما حالت مسيحية ابن الغرب دون انطلاقه من الظلمات الى النور، وما حال تطاول القرون على ترديه في غياهب الجهل والتخلف ، دون ان يجد لنفسه اخيرا سبيل نهضة بزت نهضة الشرق وحلقت وحلقت حتى لتكاد تبلغ في عصرنا الثريا!

لا ايها السيدات والسادة ، ليست العروبة مرادفة للتخلف ، ولا الدين هو افيون الشعوب ، انما هي عندنا ، رواسب الف سنة او تزيد من عصور الانحطاط عقبتها عهود استعمار لم يكن لها مصلحة في المساعدة على ازالة هذه الرواسب بل عملت في كثير من الاحيان على تجذيرها وكأنها دلائل عافية او خصائص للشخصية القومية ، من حيث زينت للناس ان بريق المظهر يغني عن سلامة الجوهر .

وكما ان نهضة الغرب لم تتحقق الا انطلاقا من التحرر من كل الرواسب التي تراكمت على المسيحية الاصلية فشوهت وجهها ايما تشويه وجعلت منها في ايدي الطغاة من الاكليروس واصحاب الاقطاع اداة يتبرأ منها السيد المسيح لظلم الناس والبغي في الارض بغير حق ، وكان الشعار الفكري الحافز على سلوك السبيل للخروج من القمقم هو شعار "العودة الى الجذور" بكل ما يستلزم من استنفار للعقل وطلب للمعرفة ونشر للعلم وشجاعة في الاعراب عن الرأي وجرأة في قول الحق ومساواة بين الناس....

.....كذلك لن تتحقق نهضة العالم العربي الحقيقية الا انطلاقا من التحرر من كل الشوائب التي تراكمت على الاسلام الاصيل فابتعدت بالمسلمين عن جوهر الاسلام حتى صح فيهم قول جمال الدين الافغاني ان "الاسلام محجوب بالمسلمين" ، وصح فيهم قول من قال في بداية هذا القرن وقد زار اوروبا ثم عاد الى مصر :"وجدت في اوروبا الاسلام ولم اجد مسلمين ، فلما عدت منها وجدت مسلمين ولم اجد الاسلام" ([4]). بل حتى اختلطت صورة المسلمين بحقيقة الاسلام لدى اكثر الناس فساد التباس فكري خطر في التحدث المستمر عن كبوة الاسلام ونهضة الاسلام ،  وعن تأخر الاسلام وتقدم الاسلام . وفات اصحاب هذا الحديث ان الاسلام لا يكبو ولا ينهض ، ولا هو يتأخر ولا هو يتقدم . ذلك ان الاسلام هو الاسلام كان ولا يزال سبيل نهوض وصراط تقدم ، وانما المسلمون


هم الذين يَـكْـبُون وهم الذين ينهضون ، هم الذين يتأخرون وهم الذين يتقدمون . وربما كان مقدار فهمهم لحقيقة دينهم وعملهم بجوهره وراء الكبوة ووراء التاخر ، وراء النهضة ووراء التقدم، في آخر المطاف .

ولقد سمعت مفكرا من اخلص المفكرين يحاضر منذ فترة قريبة يذكر العرب وهو يهيب بهم الى الاخذ باسباب الحضارة الحديثة ، يذكرهم بانهم اصبحوا يعيشون في القرن الهجري الخامس عشر الذي يوافق اواخر القرن الميلادي العشرين ، لا في القرن الاول للهجرة . وطبيعي انه كان يقصد التشديد على الخطوات الجبارة التي خطتها الانسانية منذ ظهور الاسلام حتى الان وضرورة اللحاق بها باقصى السرعة . لكن فاته ان من الظلم للتاريخ وللاسلام ان يقاس حال العرب والمسلمين المتردية اليوم بما كانوا قد بلغوه من ارتقاء روحي وعقلي ومادي في القرن الهجري الاول ، فضلا عما جعل لهم على العالم من سيادة . فالحق ان العرب والمسلمين عادوا القهقرى الى الجاهلية ، ولا يزال اكثرهم يتمرغ في وحولها حتى الان، لم يشرق عليهم نور الاسلام من جديد ، ولا هم رأوا بعدُ بزوغَ فجره الرائع . وحين يمكن القول انهم عادوا الى القرن الهجري  الاول او اصبحوا فيه تكون تلك فاتحة الطريق لقفزتهم الجبارة المرجوة الى القرن الهجري الخامس عشر الراهن الموافق لاواخر القرن العشرين .

كانوا في جاهليتهم الاولى – على ما بها من بعض معالم الشهامة وبوادر التخمر التي رعاها الاسلام وفجرها ايما تفجير – كانوا قوما بورا فاحيا القرآن منهم الموات.

كانوا في ظلمات العيش المادي الفردي يتيهون ، فاتاهم بقضية كلية ونظرة عليا شاملة الى الكون والحياة والانسان .

كانوا قبائل ، وكانوا شيعا واحزابا ، مدائن وقرى . لكل قبيلة امير ، ولكل شيعة اله ، ولكل واحة كيان . وكان لهم من اصنامهم سبة لهم على الدهر .. وما اكثر الاصنام...

كانت يمنهم مستعمرة حبشية ، وحيرتهم تحت الاستقطاب الفارسي ، ومنازلهم في الشام تحت وصاية الروم .... وهم فيما بينهم حزب بعضهم على بعض .... يتباهون بالانساب وتلهيهم عن كل مكرمة  قصيدة قالها عمرو بن كلثوم  . والعالم يومذاك تسوده قوتان عظميان تقتسمانه وتتجاذبانه دون حساب لمصائر الشعوب او حقوق الانسان .

 

ايها السيدات والسادة

ما اشبه الليلة بالبارحة

ان نظرة سريعة على حال العالمين العربي والاسلامي اليوم ، من حال افغانستان الى حال الجزائر الى حال اقتتال الصحراء المغربية ، مرورا بحال العراق وانتهاء بما شهده لبنان من فتنة ، وبذلك السرطان الذي انشب اظفاره في قلب المشرق متمثلا في كيان اسرائيل – ان نظرة الى اوضاع التمزق العربي المرعب في اخطاره وعواقب استمراره ، وسط قوى عالمية جبارة تتنازع السيطرة على الدنيا وتتجاذب العرب والمسلمين ذات اليسار وذات اليمين ، ان نظرة سريعة على حاضرالعالمين العربي والاسلامي وحاضر العالم تكاد تحملنا على القول ان الليلة ليست اشبه بالبارحة فحسب ، بل ان ليلتنا هي هي البارحة ما تبدلت اي تبديل .

لكن قبل اربعة عشر قرنا جاء محمد بن عبد  الله فايقن بعد طول تأمل في عزلته الضاجة بالقلق المستحوذ ، الهادية الى القيم الجديدة التي يجب ان تسود ، ايقن ان لا وحدة ولا نجاة لقومه بالتسويات الجزئية او بتسويات آنية كتلك التي ألهمها يوم اختلف وجهاء القوم على شرف نقل الحجر الاسود. لقد تحققت نفس الرسول صلوات الله وسلامه عليه ان تلك التسوية التي ألهمها فانصاع لها الفرقاء ، فترة من الزمن ، لا تحمل الحل النهائي الحاسم لمشكلات الحياة الاساسية في ذلك العهد الاسود ، وان كانت قد حلت مشكلة الحجر الاسود . فما اسرع ما عاد القوم الى الشقاق بعد الوفاق . تحقق الرسول ان الانقلاب الباقي الذي تحتاج اليه الامة لكي تجد وحدتها وتحتل مكانها بين امم العالم لن يكون الا ذلك الذي حمل حلا حاسما لمشكلات الامة الاساسية في نظرة كلية الى الحياة والكون والانسان، نظرة جديدة لا تمت الى الوضع القائم باية صلة لان مهمتها الخلق والابداع لا التقليد والاتِّـباع. نظرة جديدة تهدم لتبني وتقوِّض لترفع ارسخ الصروح . ولا سبيل الى ذلك الا بزعزعة العقل العربي من جذوره ، وايقاظه على الدور الذي يجب ان يكون له في انقاذ الامة ونهضة العروبة . ثم كان تكرر الرؤيا الصادقة وكان اول الوحي . ومنذ ايقن محمد بن عبد الله ان الحق الذي هداه الله اليه لن ينتصر الا بالصراع من اجله اصبح الرسول رسولا: "يا ايها المدثر ، قُـمْ فأنذِر" ([5]) . وكان لا بد من الصراع اذ كان لا بد من التقدم. وحده كان ، يؤيده الله . اعزل ، بأبى هو وامي ، الا من العقل الكبير والقلب الكبير. اعزل الا من العقل الكبير والقلب الكبير . اعزل الا من تلك القوة التي تريد ان تفعل لتغير وجه التاريخ .

 

وخلقهم محمد بن عبد الله بفضل الله وبنور القرآن الخلق الجديد ، وتغير وجه التاريخ ، اذ لم يكن بد من الانتصار ، فلو ان محمدا فر منه لسعى هو اليه .

 

ايها السيدات والسادة ،

اذا كان لنهضات الشعوب دروب هي للمتأمل في جوهرها واحدة حتى لتكاد تبلغ في تشابهها مرتبة قوانين الطبيعة لا مجال عنها لحيدة لولا متغيرات الاجتماع الانساني التي تخرج احيانا على كل قانون ،

فان شعار "العودة الى الجذور" الذي انطلقت منه نهضة الغرب لا بد ان يكون هو منطلق النهضة المرجوة لعالم العروبة والاسلام . ولكأن الرسول الكريم قد رأى بنور بصيرته الثاقب مدى ابتعاد العرب والمسلمين عن جوهر الاسلام مع الزمن ، فاطلق كلمته الرائعة الملهمة :"لا يصلح آخر هذا الامر الا بما صَـلُح به اوله".

ورب قائل يقول ان تاريخ العرب لا يبدأ بالاسلام . فكل عودة الى الجذور يجب ان ترقى الى ما قبل الاسلام . فابادر الى التسليم بانه قول صحيح لا جدال فيه .
والاسلام نفسه لم يأت لمحو التاريخ السابق لظهوره . بل لعله على العكس قام هو بحد ذاته على الدعوة الى العودة الى الجذور ، دعوة تكاد تكون انموذجية ، اذ نادى
الناس الى بساطة التوحيد واطراح ما طرأ على هذه البساطة المثالية من
 شوائب وخلافات فرقت الناس شيعا ومذاهب ، والالتقاء جميعا على دين
 ابراهيم الذي "ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن حنيفا مسلما وما كان من المشركين"
([6]). "ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا او نصارى" ([7]) .... "قل بل ملةَ ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين"([8]) ... "قولوا آمنا بالله وما انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتى موسى وعيسى وما اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون"([9]) .

ولم يدع دين الى دراسة التاريخ على نحو ما دعا الاسلام ، كما سنبين ذلك بعد قليل – بل هو ابقى على عادات عربية من عادات الجاهلية ودعا الى الانتفاع بكل صالح من اعمال الامم الغابرة. ولكن لا بد من الاعتراف بان العرب لم يعرفوا في تاريخهم نهضة كتلك التي حققها لهم الاسلام ، فان هم عادوا اليوم الى جذورهم كانوا اولى بالتوقف عند ذاك المفترق الحاسم الذي نقلهم الى مرتبة انسانية عليا ودفعهم الدفع الاكبر الى المشاركة الفعلية في بناء  الحضارة البشرية.

فما هو اذن ذاك الذي صلح به اول هذا الامر، ولن يصلح آخره الا بما صلح به اوله؟

اهو مجرد الشهادتين يرددهما اللسان ؟ ام هو مجرد الصلاة والزكاة والحج وصيام رمضان ؟ ام هو مجموعة الاحكام الشرعية تقونن حياة الانسان؟

منذا الذي ينكر ان الاسلام هو كل ذلك . لكن منذا الذي ينكر ان الاسلام هو ابعد من ذلك كله واعمق . انه الروح التي هي وراء كل ذلك – الروح التي تتجاوز ظاهر الطقوس ، على اهمية الطقوس ولزوم ممارستها . الروح التي كانت الاساس والمنطلق واطلقها في الناس القرآن فكانت هي مفتاح النهضة وسر ذاك الانقلاب الباقي الذي اطلق من الجزيرة انسان التاريخ الجديد .


فليس الاسلام اقوالا ببغائية ولا تلاوة روتينية للقرآن ولا اداء آليا للفرائض او مجرد التطبيق الحرفي للشريعة . فرب صائم ، كما في الحديث الشريف ، ليس له من صيامه الا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه الا السهر ، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له .ان الله لا ينظر الى صوركم ولكن ينظر الى قلوبكم ... " هو اعلم بكم اذ انشأكم  من الارض واذ انتم اجنة في بطون امهاتكم .... فلا تزكوا انفسكم هواعلم بمن اتقى!" ([10]).

ولئن كانت مرحلة التشريع في الاسلام قد واكبت منذ بواكير العهد المكي من نزول القرآن معركة الصراع العقلي والفكري الكبرى التي خاضها الرسول بالقرآن ، فان شمس الاسلام ما كادت تبلغ ضحاها التي سجل فيها المسلمون روائعهم العقلية في كل مجال لا في مجال التفقه في الشريعة والاجتهاد في استنباط احكامها وتفريعاتها وتطبيقاتها
 فحسب – اجل ، ما كادت تنقضي القرون الهجرية الاولى حتى شغِـلَ المسلمون عن الاصل فيما نَـبُـه من امرهم وما نَبَغَ من شأنهم ، الا وهو ذاك الزلزال العظيم الذي احدثه القرآن في العقل العربي فبدله من حال الى حال وانتقل به من طور الجمود الذي هو اقرب الى العقم ، الى طور الفعل والخلق والابداع ... ثم خلف من بعدهم خلف اضاعوا الروح وقعدوا عن الاجتهاد – لا في الفقه والشريعة فحسب – بل في سائر الوان المعارف .... واتبعوا الشهوات فلقوا ما كانوا قد انذروا بانهم سوف يلقونه من الغي الذي ما زالوا فيه يتخبطون .

 

ذلك ان الروح يحيي والحرف يميت .

ان اعمق ما في روح القرآن ،ايها السيدات والسادة ، استنفارها عقل الانسان اقوى استنفار . ولئن كانت نهضة الغرب في عودتها الى الجذور قد عمدت الى الاغتراف من ينابيع الفكر اليوناني الاول داعية الى اعتماد العقل هاديا في كل امر ،
 فقد جاء القرآن قبل تلك النهضة بالف سنة يعلن العقل هو السبيل الاوحد لرؤية الحق وبلوغه . فالعقل والعقل وحده هو مفتاح الايمان المنشود الذي هواسمى مما انتهى اليه الأعراب الذين اسلموا ولما يدخل الايمان في قلوبهم: "قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في  قلوبكم ...."
([11])  انه وحده اداة النظر في الوجود واداة الاستدلال على الآله  الواحد . هو وحده اداة المعرفة ، حتى المعرفة الميتافيزيكية ، وحتى المعرفة الصوفية ، حتى المعرفة عن طريق الحدس على مذهب هنري برغسون ومن قبله الامام الغزالي بالف سنة ، لا بد من ان تمر  اولا بطريق العقل الذي يكتشف هو مقدار ما هو محكوم بقوانين الطبيعة ومقدار ما هو محدود بالتالي عن ادراك شؤون ما وراء الطبيعة .

وفي القرآن في هذا الباب ، روائع تاخذ بالالباب . ومن بعده  السُّـنَّـة الشريفة واقوال الصحابة . حسبنا ان نذكر ان الفاظا للعقل  ومشتقاته ومترادفاته وردت صراحة اربعا وثلاثين مرة في القرآن ،  فضلا عن الفاظ النظر والتفكر والتذكر والتدبر وما اليها وكل  واحدة منها  وردت عشرات المرات . وعلى الرغم من ان كلمة "عقل" لم ترد بحد ذاتها في القرآن ، فان الفاظ القلب والقلوب والفؤاد والافئدة والالباب وردت كلها بمعنى العقل . واسمعوا ، هل اروع وابدع وامتع من قول القرآن :

-     "ان شر الدواب عند الله الصمَّ البكمُ الذين لا يعقلون"([12]).

-     "افلم يسيروا في الارض فتكونَ لهم قلوب يعقلون بها او آذان يسمعون بها ، فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"([13]).

-     "ام تحسب ان اكثرهم يسمعون  او يعقلون ، إن هم الا كالانعام بل هم اضل  سبيلا"([14]).

-     "وما يستوى الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحَرور . وما يستوى الاحياء ولا الاموات ان الله يسمع من يشاء وما انت بمسمع من في القبور"([15])

-     "ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سيبلاً"([16]).


ولقد اختلف المفسرون في معنى لفظ الامانة التي حملها الانسان كما تقول الآية: "انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان" ([17]) .  وما هي عندي الا العقل الذي وهبه الله الانسان من دون سائر المخلوقات فترتبت عليه من جراء ذلك مسؤوليات لم تترتب عليها ، وهي المسؤوليات التي تترتب على حرية الاختيار . والدليل على صحة هذا التفسير ان هذه الآية جاءت في سياق الدعوة القرآنية الى اعتماد القول السديد :"يا ايها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ، يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ..." ([18])  وما سداد القول الا من سداد الفكر وبه يكون صلاح العمل وغفران الذنوب .

اما الاحاديث الشريفة فهي اكثر من ان تحصى في تشريف العقل والدعوة الى اعتماده . اسمعوا هذا الحديث الصحيح العظيم :"لا يقبل الله صلاةَ عبد ولا صومَه ولا حجَّـه ولا عمرته ولا صَـدَقَـتَه ولا جهاده ولا شيئا مما يقول من انواع البر اذا لم يكن يَعْـقِـل . فالله عز وجل لما خلق العقل قال له : اقعد فقعد ، ثم قال له ادبر فادبر ، ثم قال له اقبل فاقبل، ثم قال له انظر فنظر ، ثم قال له تكلم فتكلم ، ثم قال له انصت فانصت ، ثم قال له اسمع فسمع، ثم قال له افهم ففهم ، ثم قال له وعزتي وجلالي وعظمتي وسلطاني وقدرتي على خلقي ما خلقت خلقا هو اكرم علي ولا احب الي منك ولا افضل عندي منك منزلة ، لاني بك أعرف ، وبك أعبد ، وبك أحمد ، وبك اعطي وبك اعاقب ولك الثواب".

وكان صلوات الله وسلامه عليه اذا بلغه عن احد اصحابه عبادة قال: "كيف عقله؟"  ذلك انه كما جاء في الحديث" لا يتم دين المرء حتى يتم عقله ، فمن لا عقل له لا دين له " واما الصحابة الذين استنار عقلهم بنور القرآن والسنة فقد حفلت اقوالهم بتمجيد العقل . ويكفينا في هذا الباب ما خاطب به الامام علي بن ابي طالب ربه اذ قال: "ربِّ من وهبته العقل فماذا حرمته ، ومن حرمته العقل فماذا وهبته؟" .

ويكفي ان تكون ا لشريعة قد اعفت من كل مسؤولية من لا عقل له ، فالتكليف يسقط عمن فقد عقله .

ثم ان استنفار العقل يستتبع، كما في القرآن مواقف وخطوات هي على درب كل نهضة علامات.

اولها نبذ التقليد والثورة عليه في كل امر، حتى في الدين نفسه، بل في الدين قبل اي شيء سواه، وشحذُ عقل المرء حتى يبلغ اليقين الذاتي الذي لا يغني عنه دين بالوراثة او بالولادة. ولا بد من ولادة جديدة هي الولادة الحق للانسان. فذريات المؤمنين لا يغني عنها شيئاً محض انها ذرياتهم، بل لا بد للذرية من اليقين الذاتي على نحو ما كان للاباء ان هم ارادوا لانفسهم الخلاص. "والذين امنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم وما التناهم (اي انقصناهم) من عملهم من شيء" ([19]). ويوم الحساب "لا يجزى والدٌ عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً"([20]). "كل امرئ بما كسب رهين"([21]). ويا فاطمة بنت محمد والذي نفسي بيده لن اغني عنك من الله شيئاً. "بل قالوا انا وجدنا آباءنا على أمَّـة وانا على اثارهم مهتدون"([22]). "واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آباءنا، او لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟"([23]).

"ان التقليد هو تحية العوام لاصحاب العبقرية" – كذلك قال اوسكار وايلد. ولقد جاء القرآن يدعو الانسان في كل عصر، الى ان يرتفع الى مرتبة اصحاب العبقرية. جاء يدعوه الى تجريد النفس والذهن من كل فكر سابق – كما يقول ديكارت-

جاء يدعوه الى ان تكون له الشجاعة على وضع جميع افكاره ومعتقداته السابقة موضع الشك والريب، مهما بلغت قدسيتها عنده ومهما كان القلق الفكري والنفسي الذي يقض عليه مضجعه من جراء ذلك.

وفي اخبار السنّـة ان بعض اصحاب الرسول لما استعملوا عقولهم استعمالا اثار الشك في نفوسهم وتكاشفوا فيما كانوا يجدونه من قلق عاصف ذهبوا اليه في تَـفَـرُّغ واسى قائلين: "يا رسول الله ان احدنا ليجد نفسه ما لأَن يحترق حتى يصير حُمَمَة (والحُـمَمَة هي

كل ما احترق بالنار، تجمع على حمم ومنها الحمم التي تقذفها البراكين
). فاذا هو يقول لهم في تهلل وبشر: "الحمد الله. هل وجدتموه؟ هذا صريح الايمان! نحن احق بالشك من ابراهيم اذ قال رب ارني كيف تحيي الموتى، قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي!" ([24])  .

ولئن كان الغرب يفاخر بالمنهج الديكارتي في هذا الباب ، ويعتبره منطَـلَـقاً من منطلقات نهضته الفكرية، فرحم الله الامام الغزالي الذي لم يرضَ حتى في الله الا بالمعرفة اليقينية التزاما بالتعليم القرآني. ومن لا يذكر "المنقذ من الضلال؟". لقد كان الغزالي مؤمناً بالله كأي مؤمن، ولكنه لم يلبث حين غلب عليه التجرد والصدق مع النفس ان اكتشف سطحية ايمانه. لم يلبث ان ثار على التقليد وعلى "المعرفة الظنية" التي هي افظع من الجهل ذاته.... "إِنْ يتبعون الا الظن وان الظن لا يغني من الحق شيئاًّ"([25]). ولولا الشك لظل ابو حامد في ضلاله وتضليله، ولما وجد سبيله ليصبح اماماً من اكبر ائمة الاسلام. فهذا الشك الذي هو اساس في التفكير الفلسفي هو في الدعوة الاسلامية العقلانية اساس لانه هو المنجي من آفة التقليد. هو مفتاح الباب المرصود في عالم النفس المتطلعة الى الخلاص بغنى الفكر واطمئنان الوجدان. ولا بد من المرور بهذا المخاض حتى تتم الولادة الجديدة ويعمر العقل والقلب بانوار المعرفة والايمان.

وما يقال عن اطراح التقليد في الدين ينسحب على اطراح التقليد كما قلنا، في كل امر. فليست النهضة في اقتباس النتائج المادية الاخيرة لحضارات المتحضرين والانتفاع الاعمى بمكتشفاتها ومخترعاتها وصناعاتها على ما نحن اليوم فاعلون، دون غوص على ما وراء كل ذلك من عقل وعلم، ودون معرفة صميمية بالآلة التي نستخدم، لكي نصبح مجرد مجتمعات استهلاك على مذبح المنتجين، ونبقى رغم انتشار آثار الحضارة بيننا على هامش الحضارة.

والتقليد هو الذي يفضي الى الصنمية في كل شيء، الصنمية بكل ما تعنيه من تعطيل للعقل وجمود، سواء كانت صنمية في الفكر او صنمية في عبادة الاشخاص. وما غيرُ الله يعبد، وآثار الضنمية على تطور المجتمعات شاهدة على مقدار اذاها لنا في الماضي البعيد وفي حاضرنا القريب، وفي مستقبلنا ان هي استمرت مستحوذة.

وثاني المواقف التي يستتبعها استنفار العقل، احترام حرية الوجدان وحرية الرأي واعتماد الحوار المنطقي سبيلاً لاستجلاء الحق، من غير احتكار للمعرفة ومن غير مكابرة ولا استعلاء. فلا نفع في ايمان، اي ايمان، وبأي شيء، ان  هو فرضه الارهاب "فذكّـر انما انت مذكّـر، لست عليهم بمسيطر"([26]) "ولو شاء الله لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك، ولذلك خلقهم..." ([27])

 

وكلنا نذكر الآية : "لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي"([28])، ولكن اكثرنا لا يذكر سبب نزول هذه الآية العظيمة . لقد نزلت فيمن كان له من الانصار اولاد، اراد ان يكرههم على الاسلام، فجاء الاولاد يشكون آباءهم الى الرسول. والتعليل الواضح لعدم الاكراه، وهو ان الرشد قد تبين من الغي، أن "في" هنا هي بمعنى علي، اي لا اكراه على الدين. مثل قوله: " لاصلِّـبنكم في جذوع النخل"([29]) اي على جذوع النخل. فلا يُـلْـزم الاسلام احداً باعتناقه قسراً او اجباراً، وانما يُـلِـزم الجاحدَ بالحجة والبرهان فحسب: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"([30]). "افأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"؟([31])

والحوار هو الحجاج، وهو أولى بان يُـدْعى كذلك، لان المفروض فيه قرع الحجة بالحجة. إنه الحجاج الذي اشار القرآن الى قيامه بين ابراهيم وخصمه وجعله مثلاً في المناقشة توصلا للحق "الم تر الى الذي حاجّ ابراهيم في ربه ان آتاه الله الملك، اذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال انا احيي وأميت (اي اقتل الناس اذا شئت واعفو عنهم اذا شئت) قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبُـهِـتَ الذي كفر"([32]).

على ان كل حِجَـاج لا بد له من عدته، وهي الحد الادنى من العلم بالموضوع المطروح لكي يكون للحوار نفع وللحجاج محصل. فويل لعالمِ امرٍ من جاهله. "ها انتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم"([33]).

واستنفار العقل ايها السيدات والسادة، يستتبع بالضرورة طلب العلم: طلب العلم في جميع ابوابه وفي جميع درجاته ، من الالفباء الى اعلى مستويات العلوم على اختلاف انواعها القديمة والحديثة، من الابجدية الى اعقد فروع العلم الطبيعي والتكنولوجيا، لا يستثنى من ذلك ذكر او انثى. انه فريضة على كل مسلم ومسلمة. فريضة مستمرة طوال الحياة، من المهد الى اللحد، وحيث كان العلم يُـطلب العلم ولو في الصين اي في اقصى الارض. وان مما يدهش فعلاً ان تجد الدعوة القرآنية الملحاحة الى دراسة ظواهر الطبيعة وتأمل آيات السماء والارض اكثر ما تختتم بالتأكيد على ان ذلك هو شأن الذين يعقلون وشأن الذين يعلمون.

وفي القرآن انه "انما يخشى الله من عباده العلماء"([34]). وان لمما يسترعي الانتباه ان يأتي هذا القول العظيم ختاماً لآيات تستوقف الناس عند ظاهرة من اهم ظاهرات الطبيعة ومن اهم مواضيع االعلم الطبيعي (الـ PHYSICS) اعني ظاهرة الالوان: "الم تر ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفاً الوانها ، ومن الجبال جُـدَدٌ بيضٌ وحمر مختلف الوانها وغرابيبُ سود. ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك، انما يخشى الله من عباده العلماء([35]). وفي موضع آخر "ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم، ان في ذلك لايات للعالمين"([36]). وحين ضرب المثل للناس بالعنكبوت اردفه بقوله: "وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون"([37]).

ما من عاقل يزعم ايها السيدات والسادة، ان القرآن حوى بالتفصيل علوم الاولين والآخرين كما يحاول بعض المُـحْـدَثين ان يقيموا الدليل عليه من بعض النصوص اذ يحمّـلونها اكثر مما يمكن ان تحمل من معان مبالغةً في اثبات فضل القرآن وسَبْـقِه، وربما ساقهم ذلك الى ارتكاب كثير من الاخطاء، منطلقين في سبيل ذلك من لمحة هنا او اشارة هناك الى ما قد ينسجم مع المكتشفات الحديثة في كل فنون العلم، فنحن لسنا من هذا المذهب المصطنع في فهم عِـلْـمِـيَّّـة القرآن. فلن نجد في كتابنا مهما جَهِدنا لا تفاصيل طب ابن سينا ولا مكتشفات الطب الحديث ، ولن نجد فيه لا رياضيات الخوارزمي ولا نسبية اينشتاين، ولا عجائب العلم النَّـوَوِي ولا بدائع الالكترونيات. ولا باس من رواية طرفة في هذه المناسبة تحمل معنى الدعابة، في مناقشة جرت بين اثنين احدهما يصر على ان القرآن لم يغادر صغيرة ولا كبيرة في كل زمان وفي كل مكان الا احصاها. فتحداه الاخر وهو يحاوره ان يثبت ان في القرآن ذكراً لشركة "كوك" . فاذا صاحبه يجيبه على الفور: اجل لقد وردت في سورة "الجمعة" ، وتلا عليه الآية: "واذا رأوا تجارة او لهواً انفضوا اليها وتركوك قائماً"([38])...وزاد ان لفظة كوك لم تنّـونْ لانها ممنوعة من الصرف للعَـلَمِيّة !

كلا ايها السيدات  والسادة. حَسْبُ القرآن انه كان في دعوته الى العلم وراء تحليق العرب والمسلمين الاوائل في مجالاته كلها حتى سجلوا فيه الكثير من الاوليات التي نعرفها جميعاً في الفلك والرياضيات والطب ولا مجال لتعدادها. فكان اقطابهم مراجعَ بقي يستهدي بعلمهم الغرب وينتفع الى وقت قريب. حسبه انه حين يشير الى الفضل الذي خص الله به الرسل يركز دائماً على انه " آتاهم حمكاً وعلماً" ([39]). وما اروع حكاية الملأ من بني اسرائيل اذ جادلوا في طالوت اذ "قال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكاً. قالوا أنّـى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤتَ سَعَـةَ من المال، قال ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"([40]). فجعل البسطة في العلم والجسم، اي في الامتياز العلمي والقدرة المادية شرطين من شروط الزعامة ما يزالان خَـالِـديْن في الزعامات الصالحة، زعامات الافراد للشعب، وزعامات الامم للعالم. وجعل البسطة في العلم مقَّـدمة في النص على البسطة في الجسم توكيداً لتقديمها في الاعتبار ، ولا ترقى اليها في اي حال، السعةُ في المال.

والقرآن رائد الدعوة الى الجمع بين المعرفة النظرية والمعرفة الحسية في طلب العلم. فحتى ابراهيم ابو المؤمنين قال "ربِّ ارني كيف تحيي الموتى. قال او لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي". ولم ينتهره ربه ولم يعنفه بل لبى رغبته في المعرفة الحسية، او قل بالعلم التجريبي، "قال فخذ اربعة من الطير فَـصُـرهُـن اليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعُـهُـنَّ يأتينك سعيا"([41]).

ان اعجب ما تناهى الىالناس قبل بضع سنين اعترافات مسجلة ادلت بها الفئة الباغية التي اعتدت يوماً على البيت الحرام، بان من اهدافها لو تحقق لها النجاح ان تمنع تلقي كل انواع العلوم ما عدا العلوم الشرعية، لان فيها حسب زعمها الكفاية للمسلمين. وهذه الفئة الباغية تدّعي في ذلك السلفية! فايُ سلفية هذه ، واي جهل بالاسلام واي افتئات على القرآن . وحمداً لله الذي انجى العرب والمسلمين في القرن العشرين من تلك الفتنة العمياء وسخر للقضاء عليها من كتب له الفضل الكبير في المملكة العربية السعودية سواء ممن يتولون القيادة او ممن استشهد دفاعاً عن نور القرآن المعلَّـم لكل عربي ولكل مسلم بل لكل انسان أنْ "قلْ رب زدني علماً"([42]).

ثم ان من اهم التعاليم التي يستتبعها الاستنفار القرآني للعقل الانساني، دعوته الملحاحة الى دراسة التاريخ، تاريخ الامة ذاته وتاريخ كل الامم. ان امة تجهل تاريخها تكاد تكون امة بلا تاريخ، فهي اذن بلا مستقبل. وهذه الدعوة تلح على الدراسة الميدانية ان لم يكف في المعرفة الاطلاع على الروايات التاريخية وحدها. وهذا هو معنى التشديد على السير في الارض. وقد وردت الدعوة اليه في ثلاثة عشر موضعاً، وفي بابه يندرح البحث عن الاثار وارتياد المجاهل لاكتشاف تاريخ الامم في عين المكان. على ان للدراسة النظرية والميدانية هدفاً في التعليم القرآني يسمو على مجرد المعرفة الاكاديمية، وهو التأمل في العاقبة والوقوف على مصائر الامم السالفة وتبين اسرار هلاكها واسرار فلاحها انتفاعاً بكل ذلك لبناء الحياة الجديدة، والانتهاء من كل ذلك الى ان ارتقاء الشعوب وانهيارها ومصير العمران والحضارات كلهارهن بالعمل الصالح الذي هو وحده ينفع الناس فيمكث في الارض . "او لم يسيروا في الارض فيظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا اشد منهم قوة واثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون، ثم كان عاقبة الذين اساءوا السّـوآى"([43])... "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادى الصالحون"([44]).

وكذلك يكون الاقبال على دراسة التاريخ بغاية استخلاص العبر والانتفاع بسالف الحضارات لخير الامة وضمان فلاحها في حاضرها ومستقبلها. وما اروع ابن خلدون اذ سمى تاريخه "كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر، في تاريخ العرب والعجم والبربر".

وكذلك يكون الاقبال على دراسة التاريخ دون اي عقدة، ولا يصح ان يقتصر على تاريخ الدعوة الاسلامية او تاريخ الاسلام بل لا بد من ان يشمل تاريخ العرب قبل الاسلام، وتاريخ مختلف الامم والشعوب على اختلاف اديانها واوطانها. وفي هذا الاطار المنفتح الراقي لا يصبح النظر في تاريخ الحميريين والآراميين والفينيقيين والاشوريين والفراعنة والفرس والبربر ممن عاشوا في العالمين العربي والاسلامي قبل الاسلام، ولا يصبح التفاخر بما قد يكون بعضهم قدم للحضارة الانسانية، هرطقة يلعنها او يتجنبها العربي او المسلم، بل يصبح مثل هذا واجباً لا بد ان يعكف عليه الدارسون عملاً بالتعليم القرآني ذاته وبروح الاسلام، دون ان يتناقض ذلك او يلغي طبعاً واجب التبحر في تاريخ الاسلام وعوامل نجاح المسلمين وتقهقرهم عبرالاجيال.

 

ايها السيدات والسادة،

يقول مثل اسباني: "اذاهب انت الى القانون لتشكو اليه سرقة شاتك؟ حسناً ستعود وقد سرقت بقرتك ايضاً"!

لن نذهب في السخرية من دور القانون او انكار هذا الدور في ضبط الحياة الانسانية الى الحد الذي يذهب اليه هذا المثل. لكن اذا كان القانون هو من اهم مظاهر التمدن البشري فان من اهم عوامل ارتقاء الانسان ما هو اسمى من القانون. فالقوانين قد تتضمن الحد الادنى من مقتضيات رقي المجتمعات. اما آفاق الارتقاء الحضاري التي ليس لها حدود، فلا تبلغها امة بغير تلك المثل التي يحاول الانسان معها ان يتخلق باخلاق الآله.

وما الذي ندعوه اليوم بحقوق الانسان الا استلهام لهذه المثل التي لم يسجل القرآن فيها اروع التعاليم فحسب بل حقق الاسلام فيها التجسيد الحي فيما ارتفع اليه ذاك النفر من الرجال الذين عايشوا الرسول حتى بدر منهم في الفكر وفي التصرف العجب العجاب.

احترام كامل للشخصية الانسانية باحترام حقها في الحرية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا". (عمر بن الخطاب)

وباحترام حقها في الامن على انواعه: الامن من العدوان بالقتل او الاذى ...،
" فمن قتل نفساً بغير نفس او فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعاً ومن احياها فكأنما احيي الناس جميعاً"
([45])، و"لئن بسطت اليّ يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين"([46]).

والامن من الظمأ والجوع والعرى والتشرد :"ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى وانك لا تظمأ فيها ولا تضحى"([47])، تلك جنة الله التي اسكن فيها آدم في الاصل ، وهي التي يجب ان يطمح اليها كل ابن آدم.

وشورى الحكم، التي هي المبدأ العريض لديمقراطية المجتمع، ايا كانت الصور التي يتفاوت فيها الاجتهاد في اشكال تطبيقه.

والتواصي بالحق والصبر والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالمرحمة وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ودرء الحدود بالشبهات، و"قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها اذى"([48])، والدفع "بالتي هي احسن فاذا الذي بينك ويبنه عداوة كانه

ولي حميم"
([49])، والحكمة وحسن الموعظة في خطاب الاخرين، وغض الصوت والمشي هونا على الارض بلا فخر ولا خيلاء ولا كبر، من غير ان يعني ذلك الابتعاد عن التجمل والتنعم بالطيبات "كلوا اطيب الطعام والبسوا اجمل الثياب وانتقوا احسن النعال وليمش الواحد منكم بين الناس وكانه شامة!".... ثم اجتناب الكثير من الظن واجتناب الغيبة والنميمة واللمز: وفسر الرسول معنى الغيبة فقال: اتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله اعلم. قال ذكرك أخاك بما يكره – قيل افرأيت ان كان في اخي ما أقول؟ قال : ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وان لم يكن فيه ما تقول فقد بَـهَـتَّـه.

وقالت عائشة: قلت للنبي حسبك من صفية كذا وكذا، تعني انها قصيرة، فقال عليه السلام لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، اي لانتنته وغيرت ريحه.

وفي الحديث ان الكلمة الطيبة صدقة. والكلم الطيب الى الله يصعد، كما في سورة ابراهيم "الم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض مالها من قرار"([50]).

كل هذه وغيرها مما لا يحصيها عدّ، عناوين خالدة لمناقب لا يسمو اليها قانون، وقد كانت وراء الباقيات الصالحات التي خلّـفها الانسان العربي تراثا للعرب وللانسانية الراقية يوم اهتدى بنور القرآن، واين هي كلها من حال اكثرهم اليوم اذ نرى الواحد  منهم يمشي بين الناس كما يقول الشاعر "بوجه ابي ذرّ وقلب ابي جهل"!

اما تاج هذه العناوين فهو الدعوة الى التواصل البشري الاكمل في نطاق المجتمع وفي نطاق الانسانية الاوسع. ففي نطاق المجتمع وحدة تسمو على امتيازات الطبقة وشرف النسب. الكل سواسية كاسنان المشط تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم ادناهم. ولا حرمان في المجتمع، فان للمحروم حقا مفروضاً مقدساً في مال الموسر لا منّـة فيه لمؤتي الزكاة او لمؤتي الصدقة "والذين في اموالهم حق معلم للسائل والمحروم"([51]) . ذلك ان لله لا للانسان ميراث السماوات والارض وانما جعل الله الانسان مستخلفاً فيما يملكه فلا خيار له في ان يسيء به التصرف ضد  مصلحة المجتمع، استئثاراً منه او انانية او حجبا لمنفعة عامة. وليس منا – اجل ليس منا - من بات وهو يعلم ان جاره جائع، واين من هذه النظرة سائر النظرات القديمة والحديثة التي حاولت وتحاول معالجة التفاوت الاقتصادي في المجتمع على الاساس المادي المحض انطلاقاً من تأليب طبقة على طبقة بفعل الحقد والبغضاء.

ولله در عمر. اصيب المسلمون في عهده في احدى السنين بالقحط فآلى ان لا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يفرّج عن الناس فتغير وجهه حتى صار اسود اللون بعد ان كان ابيضه. قال عياض بن خليفة فنسأل عن ذلك وعن سر تغير وجهه فقالوا انه كان يأكل السمن واللبن فلما أقحل الناس حرّم ذلك على نفسه فأكل الزيت واجاع نفسه كثيراً فتغير لونه وساء حاله وفي ذلك يقول : "كيف يعنيني امر المسلمين اذا لم يمسني ما مسهم".

وحمل عصاه في يده ورفعها الى اعلى ثم سمّـى الله وهوى بها على ظهر ابنه وقال: "أفي كل يوم تأكل اللحم والناس جياع؟ كُـلْ كما يأكل ابوك، يوماً خبزاً وزيتاً ويوماً خبزاً وملحاً ويوماً خبزاً وماء. ويخاطب امعاءه التي أمضّـها سؤ التغذية فيقول: "قرقري قرقري كيف شئت، فوالذي نفس عمر بيده لن تذوقي اللحم أبدا حتى ينزل الرخاء بالناس".

ومع محو امتيازات الطبقة والنسب ومحاربة الحرمان لا تمييز بين عبد اسود وحر ابيض. ولئن كان التشريع القرآني لم يبلغ حد الغاء الرق قانوناً بالصورة الكلية لاسباب اقتصادية واجتماعية تتصل باوضاع البيئة آنذاك ولا مجال لتفصيلها الان، فان روح التشريع هي دفع المجتمع الى التخلص من هذه الافة. والعبرة آخر المطاف في النفوس لا في النصوص. فها هي ارقى الامم اليوم تتباهى بالغاء الرق والتمييز العنصري في النصوص القانونية وما تزال في الممارسة الفعلية اقرب في الواقع الى جاهلية العرب قبل الاسلام، بينما ارتفع الاسلام في هذا المجال الى ارقى الدرجات. فانك لا ترى اليوم تعايشاً بين الابيض والاسود لحمته الاحترام والمودة وانتفاء كل العقد كما تراه في ديار الاسلام. وهو امر يعود الى نور القرآن والمستوى السامي الذي بلغته حياة المسلمين الاوائل في عهد الرسول بتوجيه منه وتعليم . فهذا بلال الاسود يدعوه الرسول للاذان في بيت الله يوم دانت قريش كلها للاسلام اثر فتح مكة. وهذا هو الرسول يسمع مرة ابا الدّرْداء يناجز اخاه قائلا له "يا ابن السوداء" . فغضب حتى انتفضت عروق وجهه وقال له: "ويحك يا ابا الدرداء. أردّة الى الجاهلية؟ ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل". وائتوني ان استطعتم اليوم في عصر حقوق الانسان بموقف كموقف عبد الرحمن بن عوف، الصحابي الكبير احد العشرة المبشرين بالجنة، اذ التقى في مجلس الرسول عبدا من عامة الناس، وكان يخاصم عبد الرحمن في شيء، فغضب عبد الرحمن وسبّ العبد قائلا "يا ابن السوداء" فغضب النبي اشد الغضب وقال له "ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان الا بالحق".

الى هنا والحادثة تشبه حادثة ابي الدرداء. ولكن ما ترى فعل عبد الرحمن بن عوف حين قال له الرسول ذلك؟ لقد استبدّ به الخجل، فما كان منه الا ان وضع خده على التراب واهاب بالعبد ان يطأ وجهه ويدوس على رأسه تعويضاً لكرامة العبد الذي جعل يتوسل اليه كي ينهض فما نهض الا بأمر الرسول صلوات الله عليه ورضوان الله على صحابته اجمعين.

وكما انه لا تمييز في الطبقة والنسب والعرق واللون، كذلك لا تمييز بين اصحاب الاديان والمذاهب، ما عدا المشركين بالله. اما اهل الكتاب "فلا تجادلوهم الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذى أنزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون"([52]) .

"اولئك لهم ما لنا وعليهم ما علينا، اولئك في ذمة الاسلام، ومن آذاهم فقد آذاني" ([53]).

وان تَـعْجَـبْ فعجب قول الداعين الى التقاطع الديني بدلا من التواصل. عجب قولهم ان القرآن يدعو المسلمين الى ذلك، ويستشهدون بالآية الكريمة: "ولا تؤمنوا الا لمن تبِـع دينكم" واكثرهم يحرفونها فيقرأونها هكذا : ولا تَـأْمنوا الا لمن تبع دينكم.  ولم اعرف جهلاً بالقرآن مثل هذا الجهل ولا مغالطة مثل هذه المغالطة التي ينقلب معها الانفتاح انغلاقاً، والثقة ريباً ، ويصبح معها التصرف السيء المرذول تصرفاً حسناً يزعم ان القرآن يحض عليه. وانما ذلك حاصل الاجتزاء كمثل قولك ولا تقربوا الصلاة او لا اله. فتلك الآية انما نزلت في تسفيه من يقول هذا القول من اليهود الذين جعلوا التعصب الديني المقيت شرعة لهم وخليقة، "وقالت طائفة من اهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم(اي لا تصدقوا)،  قل ان الهدى هدى الله ...." ([54])

بل ان القرآن دعوة صارخة الى التواصل البشري الاوسع في نطاق احترام الحقوق وفي نطاق التقوى التي يندرج في مفهومها كل التعليم القرآني. "يا ايها الناس (وانظر ان الخطاب هنا للناس اجمعين اي للبشرية جمعاء) انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم"([55]).

 

ايها السيدات والسادة

ذاك كان مفتاح النهضة التي انطلقت بالعرب لفتح العالم بعد ان فتح منهم القلوب والعقول. وقبضة هذا المفتاح القراءة التي كان اولَ ما أوحي الى الرسول امراً قاطعاً بها وهي مع العقل اداة كل ثقافة ، امراً اردفه بتمجيد القلم ودوره في اختزان الثقافة ونشر العلم: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم، الذي علّـم بالقلم، علّـم الانسان ما لم يعلم"([56])، وما اكثر ما قرأ العرب الاسبقون وما أقرأوا، وما اكثر ما كتبوا وما استكتبوا يوم كانت القراءة والكتابة شبه حرام على سواهم بفعل طغيان الجهل قبل اختراع الطباعة.

وعندي ان اكبر سبّـة وجهت الى العرب والمسلمين في العصر الحديث قول عدو لهم لئيم([57]) - ولكنه لم يفارق الحق فيما قال: - انهم لا يشكلون اي خطر لانهم لا يقرأون، واذا هم قرأوا لم يفهموا ما يقرأون!

فمن عجب أنهم اصحاب الكتاب الذي كانت فاتحة نزوله من السماء تلك الكلمة العظيمة: "اقرأ".

والواقع  ان اكثر العرب والمسلمين لا يقرأون حتى كتابهم الذي به يؤمنون، ويكادون لا يستمعون اليه في غير المآتم، حتى بات القرآن في لا وعي الكثرة من الناس قريناً للموت بينا هو ينبوع الحياة. وهم اذ يقرأه بعضهم او يستمعون اليه، لا يقرأونه في الحقيقة ولا يستمعون، لانهم لا يفهمونه ولا يدركون معانيه القريبة والبعيدة. وانا استحلفكم بربكم ان تجيبوا : كم منا نحن في هذه القاعة يقرأ بينه وبين نفسه القرآن، او يتدارسه، واذا هو قرأه فكم مرة لا في اليوم ولا في الاسبوع ولا في الشهر بل كم مرة في السنة يحدث ان يفعل ذلك؟

في وصية الفيلسوف الباكستاني الاسلامي الكبير محمد اقبال لابنه وهو يعظه: "يا بني اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك.

وانا لا اطمع بان ارى كل عربي وكل مسلم يرقى الى مثل هذه المرتبة العليا في طريقة قراءة القرآن ، بل حسبنا ان يقرأه القارئ كما يحسن ان يقرأ. ولهذا متطلبات حدها الادنى عندي اثنان. الاول هو التثقف ثقافة صحيحة في اللغة العربية واتقان اسسها وقواعدها على الاقل ان لم يتيسر درس وجوه البلاغة والبيان. وكل الدلائل تشير الى ضآلة علم الاجيال الجديدة في هذا المجال حتى بعد بلوغها مراتب الدراسة العليا. وهي حال ورثناها منذ عهود الانحطاط ومن بعده الاستعمار، ويزيد خطرها استفحالا كل ترويج لكل دعوة الى هجر الفصحى واحلال العامية محلها .

والثاني هو قراءة آيات القرآن وفقاً للتسلسل التاريخي لنزولها على الرسول. ونحن في ذلك لا ندعو الى تغيير الترتيب الحالي لسور القرآن، وهو ترتيب يجمع العلماء على انه ترتيب توقيفي، اي انه اعتمد بوحي آلهي. وانما ندعو الى تسهيل فهم القرآن بتقديم تفسير يعتمد تاريخ النزول، تيسيراً لنشر حقيقة انواره بين الناس. وقد بذلت في هذا المجال محاولات كمحاولة عزت دروزة ومحاولة الدكتور اسعد احمد علي فيما اسماه "تفسير القرآن المرتب"، ولكنها تبقى دون ما نتطلع اليه من اصدار طبعة لآيات القرآن، ولا نقول للقرآن، تبدأ باول آية نزلت وتنتهي بآخر آية مع شرح لظروف النزول واسبابه. ولا يخفى ما ييسر ذلك على القارئ عربياً كان ام غير عربي، مسلماً كان ام غير مسلم من مواكبة حركة الدعوة الاسلامية ومعايشتها خطوة خطوة منذ بزوغ الرسالة حتى وفاة الرسول، فبذلك تكون قراءة القرآن قراءة للاسلام كحركة حية وكدين تطور وتطوير ارشد الله تعالى اليهما المؤمنين بما نسخ من احكام تبدلت مع تقدم الزمان واختلاف الاحوال، ولم يستهجن ذاك التبديل ولا يستهجنه غير الجهلة ممن اشار اليهم القرآن العظيم: "واذا بدلنا آية مكان اية والله اعلم بما ينزّل، قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون" ([58]). وليس من غير المفهوم اليوم ان يستصعب عامة الناس فهم القرآن، وهم يقرأونه اذا قرأوه، والسورة الاولى التي نزلت منه اي سورة العلق هي في الترتيب المعتمد المتداول السورة 96، والسورة الثانية (القلم) هي السورة 68 والسورة الخامسة (الفاتحة) هي السورة رقم واحد والسورة الحادية والتسعون (البقرة) هي السورة رقم 2 وهكذا دواليك، فضلا عن تداخل بعض آيات مكية في سور مدنية، وبعض آيات مدنية في سور مكية. وحتى الدراسة اللغوية والادبية سيكون لها من مثل تلك الطبعة المنشودة اكبر المنفع الى جانب الاتصال الحي المحيي بتاريخ الدعوة وروح التشريع في الاسلام.

 


ايها السيدات والسادة

تعجبين من سقمي          صحتي هي العجب

 

فانما يكون دخول البيوت من ابوابها، ولا يمكن للعربة ان تتقدم ان هي وضعت امام الحصان، بل هي اجدر بان تتأخر.

على ان في العالم العربي والعالم الاسلامي اليوم صحوة سبقتها صحوات انتهت بالعودة الى السبات، وذهبت جفاء كما يذهب الزبد، لانها اتجهت الى السطح ولم تتجه كما اتجه القرآن بالعرب الى الاعماق. والدعوة الى التضامن العربي والتضامن الاسلامي المنزه عن الاغراض والسعي اليه خير بلا ريب من عدم الدعوة وعدم السعي، وما يقاومهما الا كل مكابر، وقد يكونان نافذة لبصيص امل في هذا الليل المدلهم. ولكن الخطر كل الخطر في الظن  انهما يغنيان او يقومان في اية حال مقام العمل في الاساس ، الذي عليه يقوم البناء ان اريد له الرسوخ والصمود في وجه العواصف.

ان اقامة مؤسسات البحث العلمي والفلسفي على ارفع واحدث مستوى عالمي بلغته ارقى الامم، والارتفاع بالعربي وبالمسلم الى مستوى الانسان الراقي الذي بلغه قبل اربعة عشر قرناً بنور القرآن، هما الصخرة الراسخة التي لا بد ان يبنى عليها البنيان ولا تقوى عليها الاعاصير.

فمن لنا بجامعة لا كالجامعات، تعبأ لها ادمغة العرب والمسلمين وتستقطب الادمغة من كل الامم في جميع حقول المعرفة النظرية والتطبيقية لكي ينطلق الحصان بالعربة بعد ان يوضع امامها؟

ايها السيدات والسادة

منذا الذي كان يحلم قبل نورالقرآن بان يتوحد العرب كما توحدوا، ثم ينهار الجباران في ذاك العصر، امبراطورية الغرب وامبراطورية الشرق، في بضع سنين، ليصبح العرب هم اسياد الدنيا.


ايها السيدات والسادة

ليس مستبعدا على التاريخ ان يعيد نفسه اذا توفرت لدفعه الى ذلك عقول الرجال وهمم الرجال.

ومفتاح العرب الذهبي لكل نهضة بين ايديهم، لا يعلوه صدأ على تعاقب الاجيال.

فليفتحوا به ما على قلوبهم من الاقفال.

"افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها؟" ([59])

 

صدق  الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله .

 

محمد البعلبكي